Wednesday, 18 December 2013

إلى اللغة العربية في يومها

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية - ولا أفهم كيف يُختزل حبُّ اللغةِ في يوم! - ، أحب أن أشارككم فقرة كتبتها منذ فترة بعد تفكرٍّ في حالةٍ معينة (وعامة!) - قلت:

من المؤسِف، والمعيب، والمحزِن، والمخجِل، والمؤلِم، والمقلِق أن تصبح اللغة العربية لغةً نخبوية. وأن يُضحي من النادر أن تجد إنساناً "عربياً" يستطيع تركيب مفرداتها وصياغة جملٍ أصيلةٍ بها. وأن لا تكون هناك سوى قلةٌ قليلةٌ جداً من "العامّة" تتقن (أو تكاد - على الأقل تعرف!) علوم إعرابها وصرفها ونحوها. وأن تصبح تلك القلة المتوجعة على حال اللغة، والفخورة بطبيعة الحال بأصالتها فيها، أن تصبح موضع تَندُّر؛ وتُنعت - مثلاً - بأنها "معقّدة" أو "دقة قديمة". أو أن تُجابَه بأسخف وأدهى سؤالٍ صاغه بشر: "بماذا ستفيدك معرفتك باللغة العربية، أو / و علومها؟" - أعني هنا العربية الفصيحة؛ وإن كان الطوفان الذي كان قد اجتاح الفصيحة بدأ يطال العامية أيضاً. لنجد من يفاخر أن أطفاله لا يتحدثون سوى الإنجليزية، وأنهم في مدارس أجنبية، وبالكاد يلمّون ببعض الكلمات العربية، لا بل ويفاخرون أنهم لا يتحدثون مع أطفالهم بالعربية بتاتاً؛ بغية تأصيل الإنجليزية لديهم. ويشكون من ثقل درس اللغة العربية على أطفالهم وكيف أنهم "يستصعبونها" عكس الإنجليزية التي يستشعرون ويعشقون سلاستها! وأن يصبح كلُّ هذا معياراً في التفاخر الاجتماعي. 

هل سيُلقي أبناء اللغة، نحن، بها إلى هاوية النخبوية والاندثار كما حل باللاتينية مثلاً؟ أم سنفعل بها، نحن كذلك، كما فعل أتاتورك بالتركية حين حولها من الكتابة بالأحرف العربية إلى الكتابة بالأحرف الإنجليزية؟ ما المبهٍج / المفيد في كل هذا التلوث اللغوي والنحوي والإملائي (وهو من أقساها) الذي نراه حولنا وبيننا في كلِّ مكان؟ اللغة العربية هويتنا وأساس وحدتنا (المشتهاة) والأصل الأساسي لتسميتنا "عرباً"! ولن أتطرق هنا للحديث عن كونها لغة القرآن ولغة أهل الجنة وأساس الإنسان العربي / المسلم لقراءة وفهم ودراسة لغته وتاريخه وعلوم دينه وحضارته.. ولا لكلِّ ذلك الحديث "النخبوي"!

أنا عربيةٌ فخورةٌ إلى أبعد حد بلغتي وبأنها لساني الأم. وأسعى أن أحيط ولو بأقل درجات المعرفة بعلومها. ولو بلغتُ في العلم أو العمل أقصى مراتبه، لن يسعدني شيءٌ أكثر في هذه الحياة من أن يمدحني (أو يذمّني) أحدهم لحديثي ومعرفتي وعشقي للغتي العربية.

Read more…

Friday, 13 December 2013

أثقل من رضوى


يجمع هذا الكتاب بين أحداث ومشاهد مختلفة من حياة الكاتبة وبين توثيقات وشهادات حية لها ولعائلتها وأصدقائها على أحداث ثورة 25 يناير المصرية، وهو ما يعطي الكتاب أهمية أكبر برأيي المتواضع. فرغم أننا عاصرنا هذه الأحداث الجديدة نسبياً ووعيانها لكنّ معاينتها من قلب الحدث تظل أشد وقعاً وأكثر أهمية. وهذا ما تسنى لرضوى ونقلته لنا عبر هذا العمل. لن أنسى أن أذكر أن رضوى كانت في رحلة علاجٍ طويلة ومؤلمة في واشنطن بدأتها قبل انطلاق الثورة بقليل واستمرت أثناءها بطبيعة الحال؛ حيث تذكر بأسىً كيف أنها شعرت (وزوجها مريد وابنها تميم / البرغوثي) بشيءٍ من التقصير والعجز لعدم تمكنهم من المشاركة الفعلية والنزول إلى الميدان في خضم تلك الأحداث. لكنهم ثلاثتهم حرصوا على تتبع أخبار البلد وحتى المشاركة رغم ذلك البعد. تُدلل على ذلك بسؤالها كلما أفاقت من التخدير عن شباب التحرير وما صنعوا، وعن كتابة وإلقاء ابنها تميم لقصيدة "يا مصر هانت وبانت" عبر الجزيرة مباشر من مكتبها في واشنطن - ما كان له عظيم الأثر في دب الحماسة في شباب الثورة كي يستمروا في صمودهم والمطالبة بحقوقهم.

وبعد أن عادت إلى مصر تتحدث عن نزولها إلى الميدان ومشاركتها الفعلية هذه المرة. توثق لشهادات حية منها ومن تميم ونوارة نجم وغيرهم، وتتحدث عن أحمد الشحات (الشاب الذي رفع علم مصر على عمود الإنارة في ميدان التحرير، وتسلق عمارة السفارة الإسرائيلية في مصر وأنزل العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري عليها) وعن الكثير من اللقطات والمشاهد المهمة في الثورة. تتطرق كذلك من أول الكتاب لآخره لثورة الشباب في الجامعات المصرية أيضاً كونها أستاذة جامعية في جامعة عين شمس، وهذا جانبٌ مهمٌّ في رأيي كشفت عنه من موقعها في التدريس؛ أن تتحدث عن تبعية الجامعات للنظام، وعن الطلاب الذين سقطوا شهداء دفاعاً عن حرية البلاد واستقلال الجامعات، وعن الطلاب الذين كانوا عيوناً (أو بلطجية) للنظام في الجامعات أيضاً.

كتابٌ مهم، أنصح به كي نسترجع ونتعمق بمعرفة تلك الأحداث التي حصلت منذ زمنٍ ليس ببعيد، ونحسن ربطها بما يحدث حالياً في مصر. يجمع بين العام والخاص، بين ما هو شخصيٌّ وما هو جماعي، يبدأ بالألم ويتصاعد فيه (لا يسعنا أن ننسى أنه يوثق لقصة كفاح رضوى وصراعها مع ذلك الورم ورحلة علاجها)، ولكن لا ينسى بل يحرص أن ينتهي بتلك الفسحة من الأمل كما شاءت رضوى أن تختتمه بقولها: "هناك احتمالٌ آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا".  

Read more…

Saturday, 7 December 2013

متل زهر البيلسان

تالياً أقتبس وأحكي قصة أغنية "وحدن بيبقوا" للكبيرة فيروز..

كاتب هذه القصيدة هو الشاعر اللبناني طلال حيدر وغنتها فيروز فاحتلّت مكانةً كبيرة في نفوس وقلوب ملايين المستمعين بينما لا يعرف حكايتها إلا القليل منهم. 

تفيد الحكاية بأن شاعرنا الرومانسي الكبير طلال حيدر اعتاد أخذ قهوة الصباح من شرفة منزله المطلِّ على غابة جميلة يستقبل بها نهاره بمزاج عالٍ ويتفاءل بالسعادة. وكان لا بدّ له من توديع شمس لبنان برشفات من قهوة طيّبة عند الغروب طالما سنحت له الظروف. 

لفترةٍ لفت انتباه طلال حضور ثلاثة شبّان صباح كلّ يوم بتواقت مع قهوته إلى الغابة وخروجهم مساءً. بعد أيام انتبه الشبان إلى نظرات طلال فراحوا يحيونه كل صباح وإن رأوه مساءً ودّعوه بتحية لطيفة بادلهم إياها متسائلاً بصمت. 
وكبُر التساؤل في نفس طلال الذي قرّر أن يكسر صمته فيكلمهم علّه يعلم سرّ العلاقة مع غابة قريبة من منطقة الحدود. 

في صباحٍ لطيف النسمات ألقى الشبان التحية على طلال الذي تردّد في أن يفاتحهم بتساؤله فأرجأه إلى المساء عازماً على المكوث بعد العصر مترقباً مراقباً محضّراً الكلام ومهيّئاً نفسه لما قد يفاجئه ومحيطاً نفسه بشيء من الفرح ظنّه سيشبع فضوله غير التطفّلي. غابت أجساد الشبان بين أشجار الغابة وسافر طلال بخياله وتصوراته عما سيصل إليه عند الغروب بعد تحدّثه معهم وهم خارجون. 

انتظر طلال غروب الشمس بترقّب وأفول الضوء بشوق لقهوة مختلفة حملها بيديه إلى الشرفة وراح يثقب بناظريه عتمة تتزايد مع تزايد تضييقه حدقتين استنفرتا في التواصل مع جملة عصبية انشدّت أوتارها مع ظهور بوادر الخوف المشوب بالحذر والملون بالمزيد من الفضول. ما السرّ في هذا الأمر؟

عتّمت الغابة وغابت جميع الأصوات ما عدا بعض الصرير أو العواء أو حفيف أوراق الأشجار بفعل الريح. ودخل طلال غرفة نومه. إلا أنه ما استطاع النوم تلك الليلة. 

قلقُ طلال استمرّ عدّة ايام ولم يصارح أحداً بالموضوع. إلى أن قرأ خبراً في صحيفة يفيد بأن ثلاثة شبّان فلسطينيين تسللوا الحدود وقاموا بعملية فدائية وسط "إسرائيل" استشهدوا فيها. وكانت صور الشبان الثلاثة معروضة تمكن طلال من التحقق من وجوههم التي حفظها خلال أيام التحضير للعملية ومرورهم تحت شرفة بيته. 

تأثّر الشاعر الكبير بالحدث والحكاية فكتب للشبان قصيدته اللطيفة التي غنّتها السيدة فيروز فأحببناها. 

نص الأغنية : 
وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان.. 
غناء فيروز

وحْدُن بْيبْقوا 
مِتِلْ زهْر البيلســان 
وحْدُن بْيقِطفوا وْراق الزّمان 
بيْسكّروا الغابي 
بيضَّلهُن متل الشتي يْدقّوا عَلى بْوابي 
عَلى بْوابي 
يا زَمــــان 
يا عشِب داشِر فوق هالحيطان 
ضوّيت ورد الليل عَ كْتابي 
برج الحمام مْسَوّر وْعـالي 
هجّ الحمام بْقيْت لَـحـالي لَحالي 
يا ناطْرين التّـلج 
ما عاد بدكُن ترجعوا 
صرِّخْ عَلَيهُن بالشّتي يا ديب 
بَلْكي بْيِسْمَعوا 
وحْدُن بْيِبْقوا مِتِلْ هالغَيم العتيق 
وحْدُن وْجوهُن وْعتْم الطّريق 
عم يقْطعوا الغابي 
وْبإيْدَهُن 
متل الشتي يْدِقُّوا البِكي وْهنِّي عَلى بْوابي 
يا زمــــان 
مِنْ عُمِرْ فَيّ العشبْ عَ الحيطــان 
مِن قَبِلْ ما صار الشجر عالي 
ضوِّي قْناديل 
وأنْطُر صْحابي 
مرقوا 
فلُّوا


Read more…