Sunday, 5 August 2018

جوليا في عمان

حاسّة حالي منافقة.
المبادئ لا تتجزأ، و"ثوّار الأرض" من حقّهم - كما يثورون على المحتلّين والغزاة - أن "يثوروا على الطّغيان ويثوروا على الحرمان".
كما أهدت جوليا أغنية "أنا بتنفّس حرية" من عمّان لعهد التميمي ولكل الأسرى المعتقلين في السجون الصهيونية، في ذات اللحظة فكّرتُ أنّه - يا جوليا - من حق كل أسرى الشعوب الأخرى أن تتنفس الحرية كذلك، الحرية ليست حكراً على فلسطين.
في كلٍّ منا مساحة من التناقض يتحرك بها وهو مُدرك تماماً لذلك؛ المصيبة لو لم يدرك. لم أستمتع يوماً بأفلام ناتالي بورتمان بسبب دعمها المطلق للصهيونية، لكنّي أجدني أتابع - ومعي كثيرون - مسلسل The Big Bang Theory الذي تصرّح إحدى بطلاته "إيمي" علناً بدعمها المادّي للجيش الصهيوني.
علاقة المثقّف بالسُّلطة هي علاقة جدليّة وحَرِجة عبر العصور، من قبل زمن المتنبي وعلاقته بسيف الدولة الحمداني حتى. تقع على المثقّف كما على الشاعر أو الفنّان أو أي شخص لديه قاعدة جماهيرية مسؤولية كبيرة بحُكم أنّ توجّهاته وآرائه التي يُصرّح بها يمكن أن تؤثّر بمتابعيه أو تُحسَب عليهم. 
كنتُ أتمنى لو ترفّع كل هؤلاء بفنّهم ونتاجهم الفكري عن التورّط بمعارك سياسية لا ناقةَ لهم فيها أو جمل. على فكرة، في حالة جوليا، فعلاقة الغزل هذه تكاد تكون من طرف واحد (إشي بشبه علاقة إليسا ووائل كفوري 🙂). لم تقم أشهر القنوات الفضائية التي تُغازل جوليا سياسات قادتها علناً بعرض أغنية "أحبائي" - لأسباب مفهومة حسب عُرف تلك القناة - في حين عرضتها أغلب القنوات الأخرى وقتها. مع ذلك لم تتراجع جوليا عن الخوض في سياسات تدرك هي تماماً أنّ جمهورها الكبير لا يتّفق كلّه عليها، ولا يفضّل أن يُفسَّر حبه لفنّها وأغانيها (الأخرى) بأنه تأييد لها، ودعوة لقمع شعب في سبيل تحرير شعب آخر.
هذه حلقة مُفرغة. ومن قال أنّه يقبل هكذا تصرّفات لو كانت الأغاني هي "بوس الواوا" أو "آه ونص" له أن يعرف أنّ آراء هيفاء وهبي السياسية - وهذه جملة تصعب طباعتها بالمناسبة 🙂 - لا تقل جدلاً عن آراء مغنّيي الوطنية والحرية، ولا حتى عن عبد الحليم أو أم كلثوم أو محمود درويش أو زياد الرحباني وفيروز أو حتى عن رجال دين وعلماء وأساتذة فضحونا وسوّدوا وجوههم.
عندما غنّت جوليا في عمّان، رفع أشخاص من الجمهور علم لبنان وعلم فلسطين؛ فأرسلَت لهما التحية. قام شخص ثالث بالتلويح بعَلَم دولة ثالثة على مرأى منها، لم تعلّق، لم يرفعه بعد ذلك. تصورتُ الموقف برمّته اصطياداً في المياه العكرة. 
لم أحضر حفل جوليا خدمةً لأية أجندة سياسية مهما تكن، ولا أرضى ذلك. كثيرون مثلي كانوا هناك إعجاباً بذلك الصوت، توديعاً مؤقّتاً ربما لهذه البلاد، وفاءً وحنيناً لذكرى قصصٍ وأغانٍ رافقتنا منذ الطفولة؛ من لما كانت الحياة (التي كنا نحسبها قذرة) أنظف بكثير من اليوم، من لما كانت فلسطين بسعر الجولان وسيناء والجنوب، من لما كان عدم إعجابك بأغنية "وين الملايين" هو خيانة لكل الأوطان العربية، من لما كانت تنهيدة "يا حبيبي يا جنوب" تُبكينا كما صرخة "قومي من تحت الرّدم يا ست الدنيا يا بيروت" -- لا فرق، غنّيناها جميعاً.
هذا لا يعني أننا أسلمناكم عقولنا، وأننا سنهلّل لكل ما ومن تهلّلون لهم. 
كبُرنا وتغيّروا، يا لَيتهم يدركون. كيف لي أن أقنع كل من أحب من الشعراء والكُتّاب والفنانين والمثقفين أنّني أتمنى عليهم أن يترفّعوا عن كل هذا؟ أن يكونوا مُتنفّساً لنا وينؤوا بفنّهم عن السياسة والسُّلطة؟
لا أكتب هذا الكلام لأبرّر ذهابي أو أتصالح مع ذاتي؛ أدرك تماماً هذا التناقض، وأشعر معه بمسؤولية تجاه أرواح وأهل وأصدقاء لا أرضى أن أغنّي يوماً على جراحهم، لم ولن أفعل. 
جوليا أجمل حينما تكون "منزوعة من الدسم السياسي" الذي قد يورّط معها جمهوراً أحبّها وأحب فنّها الراقي حين كان يوحّدنا دون أن يكون مصدراً للمزايدات وإطلاق الأحكام الجاهزة، يا لَيتها تدرك.
إحنا شعوب حياتها إبصر كيف؛ أوقات بكون بس بدنا نتنفس، بس بدنا نسمع صوت فخم أو قصيدة ترفع أرواحنا لسابع سما، من غير ما نخدم أي أجندة سياسية، من غير ما تتغيروا علينا كل فترة وتجبرونا نترككم (متل ما فعلاً تركنا كتار)، أو نتابعكم ونحضركم وإحنا شاعرين بالتناقض.. يا ريت.

0 comments :

Post a Comment