Showing posts with label Islam. Show all posts
Showing posts with label Islam. Show all posts

Friday, 5 August 2016

عن تلك النِّعَم - صلاةُ العيد في الهواء الطّلق

انقضت أيامُ العيد (عيد الفطر) إذاً. كتبتُ في أولها أنّ أداء صلاة العيد في الهواء الطلق له بهجةٌ خاصة. جاء تعليق خالتي التي تسكن الكويت مدوياً بالنسبة لي: "حظرت السلطات الكويتية إقامة الصلاة في الساحات المفتوحة وحصرتها بداخل المساجد حفاظاً على سلامة المواطنين والوافدين"، وتحسُّباً - بطبيعة الحال - لأية هجماتٍ إرهابية. أثار تعليقها في مخيلتي ذكرى تفجير مسجدٍ شيعي في الكويت قبل بضعة شهور. أذكر حينها أنني توجّستُ وقت ذهابي إلى المسجد هنا لأداء صلاة الجمعة، واستحضرتُ تلك التفجيرات طوال الصلاة وتهيأ لي أن المسجد قد ينفجر بي وبسائر المصلين في أية دقيقة. 

لحظاتٌ كهذه تجعلني أقف وأفكر قليلاً، كثيراً. نحن نعيش حالةً من التسليم بكل مُقدّرات الحياة هذه دون عناءٍ أو تعب. يحلو لي أن أفكر أنه من الطبيعي جداً أن يقيم الإنسان شعائره الدينية ويمارس حياته بكل رتابة دونما خوفٍ أو قيد. لحظاتٌ كتلك فقط تجعلني أعيد حساب الأمور في رأسي. تجعلني أحمدُ الله أنني آمنة في وطني أصول وأجول كما يحلو لي. تجعلني أوقن أنّ ترنيمة "الأمن والأمان" التي نكررها بسخرية أحياناً هي في الحقيقة مطلبٌ وغاية لا نستشعرها في خضم انشغالاتنا اليومية وقد لا ندرك معناها إلا في اللحظة التي يغدو بها أداء صلاة العيد في الهواء الطلق حُلماً أو ذكرى من الماضي.

تمنيتُ في تلك اللحظة - حالمةً سارحة - أن يختفي هذا الحقد والخوف والترهيب من هذا العالم. أن تنتهي هذه الكراهية. أن لا يُروّع أيٌّ كان في وطنه. أن لا يخشى الإنسان على حياته في طريقه إلى دار عبادته أياً كان. أن أحمدَ الله قليلاً أكثر أنني حظيتُ بما لم يحظَ به غيري، بما توقف غيري عن التنعُّم به.

Read more…

Saturday, 20 June 2015

خواطر: الموسم الأخير - من أول القصة

تابعتُ أحمد الشقيري لأول مرة في الصف التاسع تقريباً، في خضم موجة ما عُرف بـ"الدُّعاة الجدد"؛ ممن أخذوا على عاتقهم تقديم الإسلام والتدين والدعوة بصورةٍ مختلفة، أكثر ما ميزها أنها كانت جذابة، بالمحكية الدارجة على الأغلب، منزوعة الدسم، و"كول". (بصرف النظر عما آلت إليه أحوالهم وتقلباتهم السياسية والدينية فيما بعد). كان الشقيري حينها جزءاً من "يلا شباب"؛ مجموعة من الشباب تحاور هؤلاء الدعاة وتطرح على الشباب أفكاراً وثقافةً جادة ومبادرات عملية ضمن إطارٍ جميلٍ جذابٍ ومحبب يحمل صبغةً شبابيةً ملفتة.

انتقل نفس الشباب - ومن ضمنهم الشقيري - بعدها إلى حلقات خاصة ودورة مختلفة بعنوان "رحلة مع الشيخ حمزة يوسف"؛ قدمت عبر موسمين تجربة مختلفة وفريدة لعرض الإسلام في الغرب وفتح قناة تواصل بين شرق العالم وغربه. أنا شخصياً ساهَمت تلك الحلقات بمعرفتي عن عالمية الإسلام وانتشاره في دول أوروبا وأمريكا التي قدمتها سلسلة الرحلة، وتعرفت من خلاله على غربيين مميزين، شيوخاً أو دعاةً أو مسلمين عاديين، ما زلتُ أتابعهم وأحب تصفح أخبارهم من الحين للآخر.

لاحقاً، ما لبث ذلك الزخم الإعلامي والتركيز على أولئك "الدعاة الجدد" بالفتور تدريجياً، وكثرتهم أدت إلى اعتيادهم وتقليص حدة ظاهرتهم، وكثرة البرامج جعلت الموضوع استهلاكياً تجارياً موجهاً حسب الحاجة.

وسط ذلك الزحام المشتِّت، بدأ "خواطر شاب". 

كان أحمد الشقيري قبل "خواطر شاب" واحداً ضمن مجموعة، لفتني - كمشاهِدة - بذات القدر الذي لفتني به أحمد الفيشاوي أو عمرو القاضي أو قسورة الخطيب. لكن في "خواطر" كان الأمر مختلفاً؛ أصبح الشقيري هو المحور. أصبحت المسؤولية عليه وحده ليقود ويُدهش. لم يكن مضطراً ليثبت أي شيء، لكنه أثبت الكثير.

كان "خواطر شاب" فكرةً مميزة ومختلفة. عامل الزمن فيها هو الأكثر إدهاشاً. حلقات الموسم الأول لم تتعد الخمس دقائق للحلقة الواحدة؛ أشبه ما تكون بفاصلٍ دعائي. واليوم، حتى الموسم الحادي عشر، لم تتجاوز أي حلقة من خواطر مدة عشرين/خمسٍ وعشرين دقيقة. قدرة اختزال العبرة والفائدة وتكثيفها في هذه الدقائق المحدودة جعلت من تجربة متابعة "خواطر" متعةً حقيقيةً وغنية؛ لا يمكن لك معها أن تشعر بالملل أو الإطالة أو التكرار في عرض أي فكرة.

تميُّز "خواطر" كان باتخاذه منهجاً علمياً نهضوياً تنويرياً يقدم الجانب العملي للدين. "خواطر" تجاوز جانب التأصيل الروحي والمعرفي للدين - وقد كانت وما زالت هناك الكثير من البرامج التي تصدت لهذه الجوانب الهامة - وتطرّق إلى كيفية الانتفاع من هذا العلم والدين في عيش حياةٍ مختلفة. في الانطلاق والسعي وإعمار هذه الأرض.

لم يقل الشقيري أنّ المسلمين أحسن أهل الأرض اليوم - بدينهم وكفى - جاب الدنيا وعرض أحوال الأمم في شتى بقاع الأرض، عرض جوانب تقدمنا وجوانب تقصيرنا كذلك. واجه فكرة أنّ "غيرنا" هم "بلاد الكفار الضالين الغارقين في الجهل والتخلف، عليهم لعنة الله". لم يجد حرجاً في أن يقول أن اليايان قد غدت كوكباً آخر وتجاوزتنا نحن المسلمين - خير الأمم كما يحلو لنا أن نكرر - بأشواط وقفزات حضارية هائلة. لم يألُ جهداً أن يُطلعنا على أممٍ نهضت ونجحت وغيرت وأثرت؛ في سنغافورة وماليزيا والدنمارك وبلجيكا وبريطانيا وحتى الإمارات والسعودية. انتحى جانب التأثير الحسن، وشَحَن متابعيه بإيجابيةِ أننا أيضاً نستطيع. عرض لخطوات عملية وأطلق مبادرات وسلّط الضوء على مبادرين ومتطوعين تسلحوا بروح النهضة والإحسان الذي نادى به كي يكونوا هم أيضاً جزءاً من التغيير المنشود.

ما ميّز أحمد الشقيري أن خطابه لم يكن تقليدياً عابراً؛ أنه تجاوز أحكام الطهارة ومبطلات الوضوء وتكفير الآخرين وانتقل إلى لُب الدين، إلى الفهم الحقيقي له، إلى ربطه بحياتنا اليومية وأهدافنا المستقبلية، إلى دعوتنا إلى تجاوز الأحكام المسبقة والصور النمطية - ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً - والعمل سوياً بصرف النظر عن كل ما يفرّقنا لنهضة ورفعة شأننا بين الأمم.

شخصياً، أحمد الشقيري يشبهنا؛ لم يَدّعِ الكمال يوماً، لم ينسب لنفسه فضلاً ليس له، لم يقل بأنه نشأ هكذا ملتزماً مبادراً إيجابياً. على العكس تماماً، بتتبُّع قصة حياته ترى أنه مرّ مثلنا جميعاً بالكثير من المطبات؛ ترك الصلاة وابتعد عن الالتزام الديني، وكان مدخناً شرهاً وخاض تجربة الطلاق. ثم عاد وتفكر في ذاته إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم من الالتزام المنطقي العملي غير المنفّر، والإيجابية والمبادرة والتأثير والتغيير في حياة الكثيرين.

إذا كان مشروع "خواطر" قد أخذ من أحمد الشقيري عقد الثلاثينيات من عمره كما قال في أولى حلقات هذا الموسم الأخير، فإنه قد بدأ أول حلقاته في "خواطر شاب" وأنا في الصف الأول ثانوي - في السادسة عشرة - وها هو اليوم يختتم المشروع بعد ثلاث سنوات من تخرجي من الجامعة - في عامي السادس والعشرين. أحمد الشقيري بمشروع "خواطر" أثّر في تكوين شخصيتي وأفكاري ومعرفتي عن الأمم وحتى عن مجتمعاتنا، ويحلو لي أن أفكر أنه جعلني إنسانة أفضل. أحمد الشقيري كان له الأثر الكبير في تكوين فكري العملي على الأقل في إحدى أهم مراحل حياتي وأكثرها حرجاً في نشأة الفكر والتطبيق. 

مثلي ومثل كثيرين من جيلي، سيبقى لهذا المشروع مكانةً خاصة في حيز تفكيرنا ونظرتنا إلى أمتنا ومجتمعاتنا. من الصعب أن يأتي مشروعٌ آخر من شخصٍ لم يتأثر بتقلبات السياسة والدين في العالم العربي في العقد الفائت، وظلّ قادراً على أن يحوز على الإعجاب والمتابعة رغم كثرة المتغيرات. تمكن من التفوق على نفسه في كل موسم بالاستمرار أولاً، وبالتطوير والزيادة والإحسان والتزام ذات المعايير. حتى الشارة الغنائية لكل موسم أصبحت علامةً فارقة نتتبعها في كلِّ رمضان! تابعه الكثيرون بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو عمرهم أو جنسيتهم أو وضعهم الاجتماعي. "خواطر" كان من الثوابت النادرة لدينا طيلة أحد عشر رمضاناً.

إننا مدينون لهذا المشروع ولهذا الشخص بالكثير؛ شكراً أحمد الشقيري - وكل من كان معه في "خواطر" - على هذا الجهد والوقت والإحسان والتفكر. نتمنى أن تكون همتنا عالية، وأن لا ننسى كل تلك الإيجابية التي شحنتنا بها، وأن يبقى تأثير هذا الجهد معنا ولا يتوقف مع نهاية هذا المشروع. نسأل الله أن يكون هذا العمل في ميزان حسناتك في الدنيا والآخرة.

أحمد الشقيري ومشروعه "خواطر" سيبقى بالتأكيد ظاهرةً فريدة تستحق التأمل والتفكر والاحترام.

Read more…

Saturday, 10 January 2015

شارلي إيبدو، هذه المرة

منذ بدأتُ تكوين وعيي عن هذه الدنيا، وهذا الدين، وأنا أشهدُ الموقف التالي مكرراً في كلِّ مرة: أحدُ المغمورين تماماً يتعرض بالتطاول على الإسلام أو أحد رموزه، أو على محمد - صلى الله عليه وسلم - (ويُفترض، على أيّ نبي)؛ فتنتابُ العالم الإسلاميّ عموماً نوبةٌ من القشعريرة وكثيرٌ من الحماس ينتهي بإباحة دم ذلك المغمور والإفتاء بوجوب قتله، وتقديم الكثير جداً من الدعاية المجانية لأعماله المدفونة، وحث المزيد من دعاة "حرية الرأي والتعبير اللامشروطة" على إنتاج المزيد من الأعمال والحركات الاستفزازية المشابهة، واحتفاء وتكريم دولي واسع جداً لذلك الشخص لثباته على حقه في التعبير ووقوفه صامداً في وجه "همجية" كل أولئك المسلمين الذين سعوا للتصدي له.

من زمن سلمان رشدي أتحدث؛ سلمان تعدى في "آياته الشيطانية" على حرمة بيت المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ونعته بأقبح الصفات، وروى العجائب والأكاذيب. أهدر آية الله الخميني دمه، وقلّدته الملكة إليزابيث الثانية وسام الفروسية؛ لشجاعته، في ذلك الزمان.

كيف لي الآن أن أقنع العالم أنّ ما يأتي به هؤلاء ليس من الإسلام في شيء؟ كيف لي أن أقول أنّ الإسلام هو دين التسامح والمودة وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - تحمل الأذى من قبيلته وأهله ومن العرب والعجم طوال ثلاثةٍ وعشرين عاماً دون أن ينتفض لحقٍّ شخصيٍّ أو من أجل إهانةٍ وُجّهت له؟ كيف لي أن أتغنى بإحدى أجمل الآيات القرآنية والأوامر الربانية أن: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" - أعرض عنهم، غادر المجلس، حاججهم، أما أن تقتلهم؟! كيف لي أن أقتبس سيرة المصطفى ورحمته وهديه من "الرحيق المختوم"، وسيرة ابن هشام، وكتب كارين أرمسترونج، وكل الجمال الذي قرأته وعرفته عنه لأيِّ أحد، بعد الآن؟

من يعتقد أن الدين الإسلامي هو دين إرهاب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مِزواجاً، وأنه نشر الإسلام بالسيف، وأن عائشة - رضي الله عنها - قد ارتكبت الفاحشة - حاشاها - سيستمرّ في كتابة ورسم وتصوير كلّ ذلك ما دام معتقداً به، وما دام فكره وثقافته يسمي كل هذه الأمور "حرية تعبير". قد يتوقف عن هذا التعبير فقط عندما يدرك الحقيقة التي ما زلنا مقصرين بطبيعة الحال في إيصالها وكشفها. ولو قتلنا كلَّ من "تطاول علينا" سيخرج أحدهم حتماً - كما خرج مارك زوكربيرج هذا الصباح - ويقول: "عبروا عن رأيكم كما شئتم في فضاء الفيس بوك الذي أتحته لكم، لا تهابوا أحداً، وأعدكم أنّ صوتكم سيبقى مسموعاً من خلالي أنا". ونعم، سيخرج مئات الناشطين الذين سيتعاطفون مع هؤلاء "الضحايا" ويطلقون الحملات التي تهتف باسمهم وتدعو إلى السير على نهجهم في ذم الدين (الذي دعا أئمته إلى قتلهم) كي يُثبتوا للعالم أجمع أنهم لا يهابون "إرهابنا".

لو صادفتَ رجلاً فقيراً معدماً وجلست معه، فرأيته يقضي الساعات الطوال وهو يحاول إقناعك أنه كان أغنى أغنياء الدنيا، وكان يمتلك عشرات القصور وأموالاً لا تأكلها النيران، ثم افتقر بين ليلةٍ وضحاها وغدا لا يملك شق تمرة؛ لكنه - في ذات الوقت - يملي عليك أن تعامله كما لو أنه أغنى أغنياء هذه البسيطة، وهو حتى لا يملك قوت يومه؛ فهل سترضى بذلك؟ لماذا إذاً نصرف الأيام والسنين في إقناع الأمم الأخرى أننا (إحم إحم، نحن) كنا أفضل الأمم، وأعدلها، وأنّ رسولنا كان كذا وكذا، وأنّ ديننا رحمة وتسامح وكذا وكذا، بينما حالُنا اليوم هو حال ملوك الطوائف في الأندلس في ذلك الزمان، وتشرذمنا وفقرنا الحضاري قد بلغ حده؛ كيف لنا أن نطالبهم أن يعاملوننا هكذا وأن لا "يدوسوا لنا على طرف" إن كانت أفعالنا وحالنا اليوم لا توحي بأيِّ شيءٍ مما كنا عليه في ذلك الزمان؟

الكلام لن يفيد شيئاً؛ إن لم ننهض ونُعِد أنفسنا إلى محراب الحضارة لن يكون من حقنا أن نطالب بأيِّ شيء. إن استطعنا إعادة مؤشر بوصلة الحضارة في اتجاهنا نحن - قولاً وفعلاً - عندها فقط، وفقط، ستغدو كلُّ الأمور الأخرى تحصيل حاصل. ولن يكون علينا أن نستجدي أيَّ أحد كي يصدق أيّ شيء. 

لا يمكن أن نبرر أفعالهم تجاهنا، ولا يمكن أن نبرر قتلنا لهم، علينا باستئصال السبب، بقلب الآية، هذه مسؤوليتنا، وهذا واجبنا. لن ننتظر منهم أن يعرفوا أننا لسنا كذلك - إن كانت كلّ أفعالنا حقاً كذلك - علينا أن نريهم الحقيقة، على وجه اليقين.

Read more…

Saturday, 24 May 2014

البردة في ثلاثة عصور

قصيدة البردة هي من أشهر قصائد المدح النبوي التي كُتبت في المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم - إن لم تكن أفضلها. نظمها محمد بن سعيد البوصيري في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الحادي عشر الميلادي. مطلعها: "أمن تذكّر جيرانٍ بذي سَلَمِ ... مزجتُ دمعاً جرى من مقلةٍ بدمِ".

وأشهر أبياتها، والذي أصبح كلازمةٍ يُعاد تلحينها كلما غنى أحدهم هذه القصيدة هو: "مولاي صلِّ وسلّم دائما أبداً ... على حبيبك خير الخلق كلّهم".


وسبب نظم هذه القصيدة عجيب؛ يقول فيه البوصيري: "كنتُ قد نظمتُ قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منها ما اقترحه عليّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن داهمني الفالج (الشلل النصفي) فأبطل نصفي، ففكرتُ في عمل قصيدتي هذه فعملتها واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت فرأيت النبي فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدتُ فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: أي قصائدي؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها وقال: والله إني سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعجبته وألقى على من أنشدها بردة. فأعطيته إياها. وذكر الفقير ذلك وشاعت الرؤيا." 

والبردة التي رآها البوصيري في منامه هي ذات البردة التي أهداها الرسول - صلى الله عليه وسلم - للشاعر زهير بن أبي سلمى، أبي كعب. ذلك أنه كان ممن اشتهر في الجاهلية ولما ظهر الإسلام هجا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقام يشبّب بنساء المسلمين؛ فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمه، فجاءه كعب مستسلماً وقد أسلم وأنشده لاميّته المشهورة "بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ" فعفا عنه النبي وخلع عليه بردته.

وقد تأثر كثيرٌ من الشعراء بهذه القصيدة، ولعل أشعر من عارضها عبر التاريخ هو أمير الشعراء أحمد شوقي، في تسعينيات القرن التاسع عشر، في نصٍّ أسماه "نهج البردة" مطلعه: "ريمٌ على القاعِ بين البان والعلم ... أحلَّ سفك دمي في الأشهر الحُرُمِ".


حظيت البردة كذلك بعددٍ من الترجمات إلى عددٍ من اللغات، لعل أبرزها ومن أجودها ترجمة الشيخ حمزة يوسف إلى اللغة الإنجليزية، هنا. 

واليوم، في 2014، في العصر الثالث عملياً، قام الشاعر الفلسطيني الأصل مصري المولد والنشأة تميم البرغوثي بتقديم معارضته اللطيفة والجميلة لهذه القصيدة الخالدة التي كتبها أواخر العام 2010، مرفقاً إياها بمقدمة قيمة وغاية في الجمال تضع كتابة النص في سياقه التاريخي والسياسي، وتراجع العصور الثلاثة لكتابة ومعارضة هذه القصيدة، ملقيةً الضوء كذلك على تشابهٍ غريب، ونسقٍ عجيب في الأحداث التاريخية وحتى في نشأة وأصل الشعراء الثلاثة: البوصيري، وشوقي، والبرغوثي.


كان عدد أبيات بردة البوصيري مائة وستين، زادها شوقي في نهج البردة إلى مائة وتسعين، أتمها تميم حتى وصلت مائتين، وغير القافية من الميم إلى الدال، ليصبح صدر بيت القصيدة الأشهر "مولاي صلِّ وسلّم دائماً أبداً ... على حبيبك خير الخلق كلّهم" عجز البيت الذي يبدأ به المديح في هذه القصيدة: "على النبيِّ وآل البيت والشهدا ... مولاي صلِّ وسلّم دائماً أبداً".

أقتبس تالياً أكثر الأبيات التي أعجبتني من بردة تميم البرغوثي:

"إني لَأرجو بمدحي أن أنال غداً ... منه الشجاعةَ يوم الخوف والمَدَدا"
""أرجو الشجاعةَ من قبل الشفاعة إذ ... بهذه اليومَ أرجو نيلَ تلك غدا"
"ولستُ أمدحه مدحَ الملوك فقد ... راح الملوك إذا قيسوا به بددا"

"هو النبيُّ الذي أفضى لكلِّ فتىً ... بأنَّ فيه نبياً إن هو اجتهدا"
"يا مثلَه لاجئاً يا مثلَه تعِباً ... كن مثلَه فارساً كن مثلَه نَجُدا"

"يا من وصلتَ إلى باب الإله لكي ... تقولَ للخلق هذا البابُ ما وُصدا"

"وقسّمونا كما شاؤوا فلو دخلوا ... ما بين شقّي نواة التمر ما اتحدا"

"يا سيّدي يا رسول الله يا سندي ... هذا العراقُ وهذا الشامُ قد فُقِدا"

"ويستلذون تعذيب الغزاة لهم ... إنّ المحبّ يرى في ذلّه رغدا"

وأخيراً، أختم بما ختم به تميم مقدمة نسخته من البردة حيث قال:

"إنك يا أبا القاسم حين تُمدح، فإنّ الشعر لا ينتهي بانتهاء الإنشاد. وذلك لأنك "من أنفسنا" ولأنه كان "عزيزٌ عليك ما عنتنا" ولأنك كنتَ "حريصاً علينا" ولأنك كنتَ فأل هذه الأمة الحسن، فكنتَ متعباً مثلنا، ومظلوماً مثلنا، ومنفياً مثلنا، ومُكذَّباً ومكذوباً عليك مثلنا، ثم انتصرت".

Read more…

Monday, 13 January 2014

في ذكرى ميلاده ووفاته صلى الله عليه وسلم

يوم مولده هو كذلك يوم وفاته صلى الله عليه وسلم.

"وأقبل أبو بكرٍ على فرسٍ من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه، فقبّله وبكى، ثم قال، بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد متّها.

ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت. قال الله: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ".
 قال ابن عباس: والله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.

قال ابن المسيب: قال عمر: والله! ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها فعقرتُ حتى ما تقلّني رجلاي، وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمتُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات". (الرحيق المختوم / صفي الرحمن المباركفوري).

Read more…