Thursday, 4 December 2014

وداعاً، يا أثقل من رضوى

أنا حزينةٌ جداً - بشكلٍ شخصيّ - لرحيل الكبيرة رضوى عاشور فجر هذا اليوم..

عرفتُ اسمها منذ فترةٍ بعيدة؛ عرفتُها أكثر أنها "والدة تميم البرغوثي"، "وزوجة مريد البرغوثي" وكلاهما شاعرٌ وكاتب؛ لكنّ القراءةَ لها كانت دائماً مشروعاً مؤجلاً بالنسبة لي، إلى أن قرأتُ رائعتها "ثلاثية غرناطة" من سنة وبضعة شهور، فعرفتُ أني فاتني الكثير بتأجيلي لقراءة أعمالها سابقاً.

فوراً اتجهتُ إلى قراءة "الطنطورية"؛ التي وشّحتها بإهداءٍ مقتضب إلى زوجها مريد، واكتشفتُ فيها قطعةً من الجمال أخذت تشدّني صفحةً تلو الأخرى. فقد عرضت قضية قرية "الطنطورة" الفلسطينية التي مسحها الكيان الصهيوني في 1948 وهجّر أهلها بجمالٍ منقطع النظير. وأزعمُ أنها قد خلّدت ذكر هذه القرية بأروع القوالب الإنسانية للقادم من الزمن رغم أنف المحتل الذي سعى إلى طمسها بغوغائيته.

"أثقل من رضوى - مقاطع من سيرة ذاتية" كان أحدث، ومع الأسف "آخر"، كتبها الذي صدر في 2013، وفيه تعرفتُ عن كثب إلى هذه الإنسانة الجميلة؛ تعرفتُ فيه على مشوار حياتها الشيّق والصعب والمليء بالأحداث. عرفتُ كمَّ الناس الذين أحبوها وتتلمذوا على يدها أستاذةً في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة عين شمس، عرفتُ كم عانت الأمرَّين بعد أن حرمتها السلطة من وجود زوجها "الفلسطيني" معها في مصر وقامت بإبعاده لتعيش هي الدور الأصعب، وتحمل مسؤوليةً مضاعفة في تربية ابنهما طوال الوقت.

عرفتُ حبها للثورة وتعرفتُ من خلالها على ثورة الطلاب في الجامعات المصرية وسمعتُ حكاياتٍ عن ميدان التحرير في تلك الأيام الجميلة التي خلت - وها هي الآن تفارق الحياة بعد يومين فقط من إعلان براءة الطاغية حسني مبارك، فأيَّة مفارقة! - ولكن، استشعرتُ غصتها لأنها لم تستطع النزول إلى الميدان في أوج الثورة أو حتى التواجد في مصر، بسبب ذلك الورم الخبيث الذي بدأ شيئاً فشيئاً يُنهكها ويُثقل كاهلها، وكان عليها أن تسعى لعلاجه في الولايات المتحدة الأمريكية، في رحلة علاجٍ طويلة وشاقة مع زوجها وابنها. 

عندما قرأتُ كلَّ تلك التفاصيل، شعرتُ أنني أعرف هذه الجميلة القوية عن قرب وبشكلٍ شخصيّ، أنا التي لم أقابلها يوماً ولو أني تمنيتُ ذلك. قالت مرةً أنه لا بأس إن أرسلنا لها سطراً أو سطرين لو أعجبنا ما نقرؤه لها. وكنتُ دائماً أؤجل الفكرة، واكتفيتُ بكتابة عرضٍ متواضع جداً عن كتابها الأخير في أحد المواقع. ولكن، ها أنا الآن، أجلس وأستذكر الجمال الذي منحتنا إياه؛ فأعبر لكِ عن محبتي وأسعى لتعويض ما فاتني، وأدعو لكِ بالرحمة والراحة.

قلتِ في "أثقل من رضوى" أنّ "رضوى" هو الاسم الذي منحه لك جدك لأمك، وهو اسم جبلٍ يقع قرب المدينة المنورة تضرب فيه العرب المثل في الرسوخ فتقول "أثقل من رضوى". وأنا لا أرى اسماً أنسب تعنونين به مشوار حياتك التي كنتِ فيها راسخةً ماضيةً بعزم، مليئةً بالحياة، رغم كل تلك المصاعب التي أثقلت كاهلكِ الصغير.

سأعود وأقرأ المزيد من كتبك دائماً، ولكن، سيحزنني أنه لن يكون هناك أعمالٌ لاحقة. لن أقول عزاؤنا في أعمال زوجكِ وابنكِ من بعدك؛ فمحلُّك سيبقى شاغراً أبداً، وسنفتقد دوماً تلك الضحكة البهية بين سطور كتاباتك. ولكنها سنّةُ الحياة، التي امتثلتِ لها أنتِ أيضاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. 

رضوى.. لروحكِ الرحمة.

Read more…

Friday, 14 November 2014

عن (1) أحمد الفيشاوي، (2) منال موسى وهيثم الخلايلة

بدي أحكي عن شغلتين؛ بالنسبة إلي مرتبطين ببعض، بس ممكن ما حدا يتفق معي بترابطهم: عن (1) أحمد الفيشاوي، و (2) منال موسى وهيثم الخلايلة.

(1)
لما كنت صف تاسع تقريباً كانت mbc تعرض برنامج شبابي توعوي نصف دعوي هادف اسمه "يلا شباب"؛ شهد أول ظهور لأحمد الشقيري كمقدم. من ضمن المقدمين معه كان الفنان "أحمد الفيشاوي" ابن "فاروق الفيشاوي" و"سمية الألفي". كان واضح إنه أحمد الفيشاوي داخل على الجو جديد؛ لما عملوا موسم من البرنامج تحت عنوان "رحلة مع الشيخ حمزة يوسف" كان ظاهر جداً مدى تأثره بالعالم الجديد اللي دخله وتعرف عليه، كان يبكي طول الوقت ومتأثر ويحاول يتغير ودائماً حوارات وأسئلة مع "الدعاة الجدد" وقتها وهكذا.

فجأة، طلعت عليه قصة زواج عرفي مع واحدة اسمها هند، وطلع له بنت من هالـ"زواج". المهم، ما ضل حدا بالصحافة والإعلام إلا وما خلى عليه ولا كلمة؛ كيف امبارح كان "بين الدعاة" واليوم "بين أحضان الحرام" وعجبوا عليه وطلع فاسق ومنافق وزنديق ومهرطق.

الشب اختفى، بطل يطلع ولا بإشي ديني ولا توعوي، ورجعت حليمة لعادتها القديمة، ورجع لعالم الفن وما يتبعه بعد ما طبعاً احتضن كل الفنانين "ابنهم العائد إلى رشده بعد هذا التوهان الديني".

بعد فترة، ذكر أحمد الشقيري ضمن كلمة إله إنه أحمد الفيشاوي لما وقع بمشكلته تخلى عنه كل الدعاة والواعظين اللي عرفهم عدا قلّة قليلة جداً؛ الكل هاجمه وتخلى عنه ونفى معرفته فيه، وما حدا عرض يساعده (مع إنها المفروض شغلتهم!)، والفنانين على الجانب المقابل سارعوا بمساعدته واستعادته لجانبهم. ما عم بحكم هون؛ فقط بذكر القصة.

(2)
منال موسى وهيثم الخلايلة؛ شابين من "عرب 48 / عرب الداخل (الإسرائيلي)" - (قمة في التلوث السمعي هالكلمة؛ عرب وفقط، فلسطينيون وفقط) - عندهم موهبة في الغناء وفكروا إنهم يشتركوا في البرنامج العربي Arab Idol ليستعرضوا موهبتهم، ويمكن، يغنوا شوي عن قضية فلسطين؛ اللي هي بطبيعة الحال قضيتهم.

من أول ما لاحوا في الأفق، ما ضل موقع أو قناة أو صحيفة إلا وكتبوا إنه هدول "إسرائيليين" ومشاركتهم ما هي إلا تطبيع مع الكيان الصهيوني، وغناؤهم لفلسطين استعطاف كاذب لزيادة نسب التصويت لصالحهم، وإنه منال خدمت في الجيش الإسرائيلي مدنياً، وأختها - صابرين - شاركت في برنامج مواهب إسرائيلي وغنت لـ"إله إسرائيل"، واليوتيوب اشتغل وما خلوا! جد ما خلوا!

طيب، حدا فكر كيف ممكن هلأ يكون شعورهم؟ كيف معقول يتلقوا هالكلام بعد ما حاولوا يتجاوزوا كل الظروف ليحتفلوا بعربيتهم وهويتهم "بين أهلهم" ولقوا هالـ"ترحيب"؟

يعني "إسرائيل" بتسمح للعرب داخلها بالمشاركة في برامجها وخدمة أهدافها؛ بينما إحنا العرب حتى لو إجى عنا عرب من هناك - من أولادنا - لا بد إنا نصنّفهم ونخوّنهم ونعتبرهم أعداءنا. الاختلاط بالعدو الإسرائيلي بشكل يومي ممكن فعلاً ينسّي البعض هويته وأصله. لكن ليش لازم تكون ردة فعلنا الأولى تجاه اللي إجى إلنا منهم هي الاتهام والشك والتخوين والتنبيش عن ماضيهم؟

منال وهيثم إلهم مشاركات في برامج هواة فلسطينية وغنوا للقضية وتلفّحوا بالكوفية وشمّوا هوا البلاد، وهم فلسطينيين أولاً وأخيراً. لما يوقفوا كل العرب ضدهم بينما "إسرائيل" ما عندها أي مشكلة تحتضنهم وتفتح ذراعيها إلهم وتقدم إلهم كل التسهيلات والدعم واللي بدهم إياه قديش ممكن يصمدوا؟ مين ممكن يختاروا؟ هم مش أولادنا؟ مش عرب متلنا؟ عزمي بشارة وأحمد الطيبي مش تبعنا؟ يعني ما بننبسط إلا إذا انسحبوا منال وهيثم واعتذروا إلنا إنهم فكروا يكونوا منا، ولقيناهم بعد سنة من هلأ بغنوا بالنوادي الليلية بـ"إسرائيل"؟

--------------------------
ليه دائماً بنصمّم نبعد الناس اللي بتقرّب منا؟ ليه بندور عكل إشي ممكن يخليهم مختلفين وغلطانين وما بنحاول نحتفل بتشابهنا وباللي بقرّبنا من بعض؟ ليه أي حدا من أولادنا بفكر يقرّب منا بنبعده وبنصدّه وبنورجيه إنه حيطنا عالي ورح نسعى لتشويهك وتهديمك وما حنقبل تكون بينّا - مع إنك منا - لإنّا أعلى وأهم؟ كم سنة بدنا؟ لسة بدنا؟ كتير لسة مطولين.

Read more…

Saturday, 1 November 2014

Lean In - Book Review

[As seen here].

Below is my review of the book: Lean In, by Sheryl Sandberg.

Another 3.5 :) This book has been on my wishlist for quite a time [since its release]. I kept putting it aside as I thought it was just another "feminist" book and I honestly hate those. In my pursuit for inspiration, I decided to finally order the book last month. It has some really interesting insights and ideas articulated in a readable way that lots of women [especially those in the workforce] can relate to easily. Especially ideas like "sit at the table", "success and likeability". 

Some chapters though, featured ideas that I thought were kind of idealistic especially when it comes to the role a "real partner", as Sheryl chooses to call them, should play. I think we are still miles and miles away from having men believe in this kind of equality [which I personally think is not even desirable]. Seeking a 50/50 kind of equality between men and women; whereby "half of our companies are run by women and half of our homes are run by men"? That's not how I define the men-women relationship, and this is not what I hope for our societies. I believe men and women should be real partners and have equal rights yes, but their roles should complement each other and not be "equal" in the sense Sheryl suggested.

Anyway, if I'm left with one thought only out of this whole read it would definitely be the inevitable question of "what would you do if you weren't afraid".. - now that's a question I kept thinking about and will sure do for a while! And always remember, it's not enough to enjoy the book, we [both women and MEN] have to start acting. 

As it goes: "there's a special place in hell for women *I add: and men* who don't help other women". Recommended! :)

Read more…

Saturday, 25 October 2014

How Google Works - Book Review

[As seen here].

Below is my review of the book: How Google Works, by Erich Schmidt and Jonathan Rosenberg.

An easy 5 and a great read! This is an excellent book on so many levels. If you've been dazzled by Google's success in the Silicon Valley era, and wanted to figure out "how the hell did they manage to do it?!" Then this is the book for you. And who better can tell the story than the guys who helped make it happen -- [Eric Schmidt, former CEO and current Executive Chairman] and [Jonathan Rosenberg, former SVP of Products and a current advisor to Larry Page]?

In this book, they share their experience and spell out how any company/start-up can follow Google's example and become what Google became. The book is more about business and management, setting strategy, and acting in an age where disruption is and will be taking over almost every incumbent technology, and most importantly, talks about how to hire and keep the best people out there [which Google calls "smart creatives"]. It explains all of this and much more in a very enjoyable, humorous way. Providing many inside stories from Google, and also from the authors' past experience at other companies. They weren't even afraid or ashamed to admit and talk about some "failures"; be it in some of Google products [read Wave, Buzz, ..], or some perceptions or decisions they had made, which added more authenticity to this book.

A definite must-read for future and aspiring leaders, humorous, straight to the point, page-turning [I intend to read 20 pages and finish a chapter or 2 without even noticing it!], never wanted it to end, and when it did I just thought "hell, I need to read more of it!". Highly recommended! :)

Read more…

Friday, 17 October 2014

تاريخ اضطهاد المرأة في كتاب الجنس الآخر


عند قراءة عنوان الكتاب "الجنس الآخر" تتبادر إلى ذهن القارىء تصوراتٌ مختلفة عما عليه توقعه عند قرائته. فقد يظن أحدهم أنه يتحدث عن المرأة، وقد تتصور أخرى أنه يتحدث عن الرجل، وقد يعتقد آخر أنه يتحدث عن علاقة كلِّ طرفٍ بالطرف المقابل. والكتاب في حقيقة الأمر يتناول تحليلاً مفصلاً حول تاريخ اضطهاد المرأة والظلم الذي وقع ويقع عليها عبر التاريخ. نشرته الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار عام 1949، وقد كان رائداً ومرجعاً أساسياً للحركات النسوية في أوروبا ووصل الأمر بالفاتيكان إلى وضعه على قائمة الكتب المحرّمة إلى أن أُلغيت هذه القائمة منتصف الستينيات.

تحاول دي بوفوار في فصل الكتاب الأول أن تجد تفسيراً لكيفية تحول العالم ليصبح ذكورياً إلى هذه الدرجة. كيف تسلم الرجل زمام القيادة والسيطرة في هذه الحياة؟ أم أن المرأة هي من سلمته زمام الأمور طوعاً؟ كيف أصبحت المرأة هي "الآخر"؟ وكيف رضيت أن تبقى كذلك؟ في محاولةٍ للإجابة على هذا السؤال تستعرض دي بوفوار ثلاثة تحليلاتٍ مختلفة من وجهة النظر البيولوجية أولاً؛ والتي تُرجع السبب إلى ضعف تكوين المرأة الجسدي وعدم قدرتها على مواكبة قوة الرجل البدنية. ثم وجهة النظر النفسية الفرويدية حول نظرة المرأة لنفسها ولأنوثتها وكيف يؤثر شعورها بأنوثتها على تفاعلها في المجتمع، ثم تطرح أخيراً وجهة النظر المادية التاريخية مستشهدةً بما أورده الفيلسوف الألماني"إنغلس" عن تاريخ المرأة في كتابه "أصل العائلة"؛ حيث ذكر أن ظروف الحياة في العصر الحجري كانت تقوم على تكليف المرأة بالأعمال المنزلية وبعض أعمال البستنة والزراعة مما ضمن لها مساهمة معقولة في الحياة الاقتصادية، بينما كان الرجل يقوم بالصيد وبعض الأعمال في الخارج مما ضمن نوعاً من التقسيم المتساوي للأعمال بين الرجل والمرأة وبالتالي نوعاً من المناصفة المجتمعية فيما بينهما. لكن، بعد ظهور المحراث وأدوات الزراعة وفكرة الملكية الفردية أصبح الرجل قادراً على السيادة في أرضه والاستعانة بتلك الأدوات وتملّك الإقطاعات والعبيد، وأصبح أيضاً مالكاً للمرأة. وقد كان ذلك – من خلال تحليل إنغلس – هو الانكسار التاريخي الكبير للجنس النسائي. وإن كانت دي بوفوار تخالفه الرأي فهي لا ترى أن نزعة الإنسان إلى الملكية الفردية أو حتى قلة قوة المرأة العضلية أو دورها الجنسي كافٍ لتبرير الظلم الذي وقع على المرأة وأدى إلى تهميشها عبر العصور.

تستعرض سيمون في القسم الثاني من الكتاب مظاهر تطور ظلم المرأة ونموه المتوازي مع نموها عبر مراحل تكوينها؛ فالمرأة تُعَد وتُهيىء منذ صغرها لأن تكون أقلَّ درجة من الرجل وتؤسَّس على البقاء في المنزل فتُقدَّم لها الدمى لتعتني بها وتمارس عليها دور الأمومة وتمحور حياتها حول المنزل، بينما يتم إعداد الرجل منذ الصغر وتعويده على الخروج والقيام بأعمال "أكثر أهمية"؛ مما يجعل الفتاة تنظر إلى نفسها منذ الصغر على أنها إنسان بدرجة أقل.

ثم تأتي على فترة المراهقة التي تُرسخ عند الفتاة هذا الظلم والشعور بالاضطهاد؛ إذ أن التغيرات الفيسيولوجية التي تمر بها الفتاة تفرض عليها التنحي والتهميش. فبينما يكون الرجل في أوج نموه وبناء قوته العضلية، تزيد هذه التغيرات من ضعف بنيان جسم المرأة وقوتها البدنية الضعيفة أصلاً. تصاحبها كذلك تغيرات نفسية خاصةً إن لم تكن على وعيٍ بكيفية التعامل مع متطلبات هذه المرحلة؛ مما يدفع بها إلى الزاوية مرةً أخرى.

مما يقودنا فيما بعد إلى مرحلة الزواج؛ والظلم الواقع على المرأة هنا يبدأ من العرف المجتمعي الذي يمنح الرجل حق اختيار الزوجة والطلب كيفما يشاء. أما الفتاة فليس لها سوى الانتظار للحصول على أفضل عرض زواجٍ ممكن، دون أن تملك حرية الاختيار أو الرفض. تعرّج دي بوفوار هنا على معاناة الفتيات عند الارتباط والانتقال إلى مرحلة الزواج لنقص التوعية التي يحصلن عليها بهذه المرحلة وتبعاتها سواء من الأهل أو من المجتمع، وتستشهد بقصصٍ ومآسٍ مرت بها فتيات عند الزواج نتيجة جهلهن وعدم توقعهنّ لما مررن به.

من أكثر الجوانب إثارةً في هذا الكتاب هو الظلم المفروض من المرأة على المرأة نفسها؛ تشخصه دي بوفوار عبر تناول علاقة الفتاة بأمها. فالأم – رغم أنها مرت بنفس الظروف – لا تسعى لتغيير واقع ابنتها بل على العكس تعمل على خلق نفس الظروف ونقل نفس التعليمات والقواعد التي رُسخت لها لابنتها. فهي تحرص على تعليمها الأمور المنزلية منذ الصغر وتفضل أن يقوم الولد لا البنت بإكمال تعليمه حتى وإن كانت البنت أكثر نباهةً. ثم تضغط على ابنتها للحصول على أفضل زوجٍ ممكن؛ وتلومها إن فوتت عرضاً مغرياً أو صيداً (عريساً) ثميناً! وعند الزواج تنتقل الفتاة لبدء حياتها هي، ولتكوين المنزل الجديد الذي يخصها وتشعر فيه هي الآن بالسيادة، فما يكون منها إلا أن تضطلع هي الآن بالقيام بفرض الظلم نفسه على بناتها مرةً أخرى، وتستمر الأمور في ذات الحلقة.

هنا، وبعد أن تمر الفتاة بكل هذه المراحل، ترى دي بوفوار أنها ستشعر لا محالة أنها أفنت حياتها في سبيل الآخرين. وأنها لم تحقق شيئاً خاصاً لذاتها. فهي رغم قيامها بتنشئة الأطفال وتكلفها بالأعمال المنزلية سترى أن كل هذه الأعمال لم تؤدِّ بها إلى تغيير واقعها، وستغادر الحياة دون أن تكون قد أثرت فيها أو حصلت لنفسها على شيءٍ يخصها. فتقدم هنا تصوراً أن سبيل تحرير المرأة الأقوى هو بحصولها على الاستقلال المادي؛ فهي ترى أنها حين ذاك ستكون قادرةً على تملك زمام أمرها والتصرف بحياتها كما تريد لتتمكن لاحقاً من المطالبة بحقوقها الاجتماعية وحقوق المشاركة السياسية أو حتى الاستغناء عن الرجل. وهنا تبين كيف أن المرأة التي تكوّن لنفسها قوةً مادية واجتماعية كبيرة تتخذ من الزواج اختياراً وليس شرطاً كما في حالة النساء الأخريات، وترفض الخضوع للرجل والنزول إلى حكمه إلى درجة أنها قد تعزف عن الزواج أو حتى تمارس السحاق.

يبقى السؤال مطروحاً إذاً على مائدة النقاش: كيف للمرأة أن تتخلص من هذا الاضطهاد وتحصل على حريتها المنشودة؟ ما هي الخطوات العملية الكفيلة بتقدمها وحصولها على التقدير والوضع الذي تستحق؟ وهل يساعد المجتمع المرأة على القيام بدورها المفترض وانتزاع هذه الحرية؟ قد تكون الإجابة على هذه التساؤلات ومعالجتها خطوةً أولى في الطريق الطويل الشاق في سبيل تحرير المرأة.

Read more…